- .سرقة الاسماء واختطاف المعنى
سرقة الأسماء واختطاف المعنى: دراسة في الأفعال الأيديولوجية للغة
تمهيد: اللغة كحقل صراع
لم تعد اللغة، في سياق الحداثة السياسية، مجرد أداة للتواصل، بل أصبحت حقل صراع رمزي تتواجه فيه القوى، وتتحرك عبره الأيديولوجيات لإنتاج واقعها وتأبيد وجودها. وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة لا تفرض حضورها بالقوة المادية فحسب، بل عبر “سياسات المعنى” التي تعيد تشكيل الخطاب وتوجيه الدلالات. أما إدوارد سعيد فقد كشف كيف تُستخدم المصطلحات والأسماء في بناء سرديات الهيمنة والاستشراق. وهكذا، فإن السيطرة على الاسم ليست شأناً لغوياً، بل استيلاءً على الوعي واحتكاراً لحق تعريف العالم.
ومن أخطر أشكال هذه السيطرة: اختطاف الأسماء من معناها الأصلي وإعادة صياغتها بما يخدم مشروعاً سياسياً أو أيديولوجياً معيّنًا. إنه فعل يرقى إلى مستوى “العنف الرمزي” الذي تحدّث عنه بيير بورديو، حيث يجري انتزاع المعنى من جذره الثقافي وإلباسه دلالة مصطنعة تقطع ذاكرته التاريخية.
⸻
أولاً: اسم «إسرائيل» بين الذاكرة النبوية والاستعمال السياسي
في الموروث الإسلامي، كما في السرديات الإبراهيمية، يحمل اسم “إسرائيل” معنى روحياً بوصفه لقباً للنبي يعقوب. والاسم هنا محمّل بقيم النبوّة، وبسياق أخلاقي يتعلّق بالهداية والتجربة الإنسانية العميقة.
غير أنّ هذا الاسم تعرّض في العصر الحديث إلى عملية تفكيك وإعادة تركيب أيديولوجي حين تمّ اعتماده لتسمية دولة سياسية أُنشئت في سياق استعماري–استيطاني في فلسطين. هذا التحوّل لم يكن لغوياً، بل كان فعلاً واعياً يستثمر الرمز المقدّس لشرعنة مشروع سياسي.
لقد تمت عملية:
• استحواذ على الرمز الديني لاستعادة قداسة مزعومة.
• تسييس المعنى بحيث يغدو الاعتراض على المشروع الاستعماري وكأنه اعتراض على التاريخ الديني ذاته.
• إعادة كتابة الحكاية التوراتية ضمن سردية قومية حديثة تخدم الدولة.
هنا، نرى — بوضوح — ما وصفه بول ريكور بـ “قتل الذاكرة” حين يُفصل الاسم عن تاريخه الأخلاقي ويُعاد إنتاجه كجزء من بنية الهيمنة.
⸻
ثانياً: “صهيون”… من جبلٍ مقدّس إلى أيديولوجيا قومية
كلمة “صهيون” (Zion)— جبلٌ مرتبط بالروحانيات الإبراهيمية— كانت رمزاً للسكينة والقداسة، لكنّ الحركة الصهيونية الحديثة قامت بعملية اختطاف دلالي شبيهة بما حدث لاسم إسرائيل.
فأصبح:
• شعاراً قومياً.
• وسيلة لتجييش الجماعات الأوروبية اليهودية تحت ضغوط الاضطهاد الأوروبي الأبيض.
• رمزاً يبرر إقامة دولة قومية على أرض مأهولة بشعب آخر.
وهكذا تحوّل الرمز الروحي إلى عتاد سياسي، وتحول الجبل إلى خطاب. يشير دريدا هنا إلى أنّ النصّ لا يُختطف إلا حين يُفصل عن سياقه ويُعاد إدراجه بقوة في سياق آخر.
هذا الانزياح في الدلالة أنتج قابلية تضليل واسعة؛ فجبل صهيون لم يعد موقعاً جغرافياً–روحياً، بل أصبح “وعداً سياسياً” يُستثمر لتأسيس الدولة وتوسيع شرعيتها.
⸻
ثالثاً: جهاد… حين يتحوّل النور الداخلي إلى رصاص خارجي
من الأمثلة الأكثر دلالة على اختطاف الكلمات وتلويث معناها: كلمة “جهاد”.
في التراث الإسلامي، يحمل الجهاد دلالات روحية وأخلاقية عميقة، مرتبطة بـ:
• مجاهدة النفس.
• ضبط الشهوات.
• مواجهة الظلم بالحق.
• الارتقاء الروحي عبر الصبر والعمل الصالح.
غير أنّ الجماعات المتطرّفة أعادت تعريف الكلمة وألبستها معنى قتاليًا محضاً، ثم جاء الإعلام العالمي ليُشيطن المصطلح، فغدا — في المخيال المعاصر — مرادفاً للعنف والموت.
وهكذا اجتمع طرفان متناقضان:
• التطرّف الذي صادَرَ المعنى الروحي.
• الإعلام العالمي الذي رسّخ المعنى المشوّه وربطه بالإرهاب.
لتصبح الكلمة — التي كانت عنواناً على التزكية الروحية — إشارة إلى التدمير والدماء.
إنها صورة صارخة عن تحريف المعنى، حيث تُختطف الكلمة وتُعاد برمجتها رمزياً، فتتحول من نور إلى ظلام. هذا ما يسميه فوكو “إنتاج الحقيقة” عبر منظومات القوة.
⸻
رابعاً: اختطاف المعنى كأداة استعمارية
اختطاف الأسماء ليس فعلاً لغوياً بريئاً، بل هو جزء من هندسة الوعي في سياق الهيمنة. فالتحكم بالاسم هو:
• تحكم بالهوية.
• تحكم بالذاكرة.
• تحكم بالسردية التي تشكل رؤية العالم.
وعندما تُنتزع الأسماء من جذورها، تُنتزع معها الشعوب من سردياتها، وتُفرَض عليها تفسيرات جديدة تبرر الاحتلال أو العنف أو الهيمنة أو الخوف.
⸻
خامساً: استعادة المعنى بوصفها مقاومة معرفية
إن مقاومة هذه الظاهرة ليست مجرد نقاش لغوي، بل هي فعل تحرري بامتياز. فاستعادة الاسم إلى أصله هي:
• استعادة للتاريخ.
• استعادة للذاكرة.
• استعادة للحق في التأويل.
• استعادة للمساحة التي حُرمت منها الذات.
إن تفكيك عمليات الاختطاف الدلالي وفضح آلياتها هو السبيل إلى إعادة بناء الوعي، مقاومةً لما سمّاه إدوارد سعيد “استعمار الخطاب”، ولما سمّاه فوكو “سلطة المعنى”.
⸻
الكلمات التي فقدت وجوهها
حين تُختطف الكلمة، لا تفقد معناها فقط، بل تفقد وجهها. ومع استمرارية الاستعمال السياسي، تترسخ الهوية الجديدة للكلمة حتى يختفي ظلّها الأول.
لكن بوسع البحث العلمي، والتحليل الثقافي، والكتابة النقدية، أن يعيد للكلمات وجوهها الغائبة، وأن يفكّ قيودها من الأسر الأيديولوجي، لتعود إلى معناها الأصلي: معنى لا يُختطف، ولا يُشوَّه، ولا يُستخدم لتبرير القتل أو الاقتلاع.
امل الجبوري