العودة إلى المقالات
مقال

من الكونية المعرفية إلى تجزئة الهوية

قراءة في محضر المجمع العلمي العراقي لعام 1987 في ضوء واقعنا الراهن

التسلسل الزمني 22 فبراير 2026
تمثل الوثيقة المنشورة أعلاه — محضر الجلسة رقم (34) للمجمع العلمي العراقي بتاريخ 3 أيار/مايو 1987 — سجلًا أرشيفيًا بالغ الأهمية من الناحية الفكرية. فهي توثق اجتماع لجنة التاريخ والحضارة بحضور نخبة من أبرز أعلام الثقافة العراقية والعربية في القرن العشرين: مؤرخين، ومحققين، وفقهاء لغة، وحماة للتراث العربي المكتوب.
وتزداد أهمية هذه الوثيقة لكونها جزءًا من الأرشيف الخاص بالعالم الجليل محمد بهجة الأثري، أحد أبرز رموز الدراسات العربية الحديثة وسادن التراث العربي الإسلامي ، وعضو المجمعين العلمي العراقي والعربي. إن وجود هذا المحضر ضمن محفوظاته الأرشيفية يضفي عليه قيمة علمية مضاعفة، ويضعه في سياق مشروع فكري أوسع كان يعنى بصيانة الذاكرة الثقافية العربية وحمايتها من التشظي والنسيان.
لقد حضر الاجتماع عدد من القامات العلمية الرفيعة، من بينهم الدكتور جواد علي، والدكتور صالح أحمد العلي، والأستاذ محمد بهجة الأثري، والدكتور أحمد مطلوب، والأستاذ مخائيل  عواد، ود بشار عواد معروف وغيرهم . وهي أسماء تمثل جيلاً تشرب أصول التراث الكلاسيكي، وفي الوقت ذاته كان واعيًا للتحولات الفكرية الحديثة وتحدياتها.
غير أن اللافت في هذا المحضر لا يقتصر على مكانة الحضور، بل يتمثل في عمق الرؤية الاستشرافية التي عبرت عنها اللجنة. ففي وقت مبكر — قبل ما يقرب من أربعة عقود — نبهت اللجنة إلى خطر صعود النزعات الإقليمية المائلة إلى تمجيد الذات، وما يترتب عليها من تفكك في بنية الفكر العربي. وقد أدرك المجتمعون أن الانزلاق نحو الأطر الفكرية الإقليمية الضيقة قد يؤدي إلى تآكل الطابع الكوني الذي اتسم به الفكر العربي الإسلامي عبر تاريخه.
واليوم تبدو تلك الملاحظات أقرب إلى النبوءة الفكرية.
الإقليمية وتجزئة التراث الحضاري
إن تحذير اللجنة من «الاتجاه الإقليمي المائل إلى تمجيد الذات» يستبطن إدراكًا مبكرًا لما نشهده اليوم من تحوّل الهوية الثقافية إلى أداة سياسية ضيقة. فالهوية، بوصفها بنية ثقافية مركبة، ليست في ذاتها موضع إشكال؛ بل هي عنصر إثراء للتنوع الحضاري. غير أن الخلل ينشأ حين تتحول الهوية إلى أداة إقصاء سياسي، أو إلى وسيلة لتقليص الانتماء الحضاري إلى حدود الدولة الحديثة.
لقد نشأت الدول العربية المعاصرة في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية ضمن ترتيبات جيوسياسية أوروبية. فُرضت الحدود، وأُنشئت السيادات، وتبلورت سرديات وطنية جديدة لم تنشأ بالضرورة من امتداد عضوي للتراث الفكري والثقافي المشترك. ومع مرور الزمن، بدأت هذه الحدود السياسية تعيد تشكيل الذاكرة الثقافية ذاتها، بحيث أصبح التراث يُعاد تصنيفه وفق مقاييس الدولة الوطنية الحديثة.
وهكذا أُعيد تأطير رموز الفكر والأدب ضمن حدود سياسية لم تكن قائمة زمن إنتاجهم المعرفي. فأصبح امرؤ القيس يُنسب إلى هذه الدولة أو تلك، وصار المتنبي يُقدَّم بوصفه شاعرًا «عراقيًا» فحسب لأنه وُلد في الكوفة وقُتل في أرض العراق. وتُختزل منجزات حضارية ممتدة في الزمان والمكان ضمن خرائط سياسية حديثة العهد.
هذا التأطير القُطري للتاريخ لا يكتفي بتبسيط المشهد الحضاري، بل يُنتج حالة من التنافس الرمزي بين الدول على «ملكية» التراث، بدل أن يُنظر إليه بوصفه إرثًا حضاريًا مشتركًا عابرًا للحدود.
“بغداد نموذجًا للحاضنة الكونية”
أشارت اللجنة في محضرها إلى كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي بوصفه نموذجًا للفكر العربي. وهذه الإشارة ليست عابرة؛ فبغداد في عصرها الذهبي لم تكن مجرد عاصمة سياسية، بل كانت مركزًا حضاريًا كونيًا تلاقت فيه الثقافات واللغات والعلوم.
كانت العربية آنذاك لغة معرفة قبل أن تكون هوية قومية. وأسهم في إنتاجها علماء من أصول عربية وفارسية وتركمانية وغيرها، ضمن فضاء معرفي مشترك. لم تكن الهوية تُختزل في حدود جغرافية، بل كانت تُبنى على أساس المشاركة في الحقل العلمي واللغوي.
إن «الطابع البغدادي» الذي تحدثت عنه اللجنة يعكس نموذجًا حضاريًا يقوم على الانفتاح والتلاقح المعرفي، لا على الانغلاق والتنافس الضيق. فقد كانت مراكز العلم في بغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق وغيرها تشكل شبكة معرفية مترابطة، يتحرك فيها العلماء وتتنقل فيها الكتب وتُتداول فيها الأفكار بحرية نسبية.
“من الإنتاج المعرفي إلى الاستهلاك الفكري”
إن أحد أخطر تجليات الأزمة التي نبهت إليها اللجنة يتمثل في التحول من موقع الإنتاج المعرفي إلى موقع الاستهلاك وإعادة التدوير. فالعالم العربي اليوم، في مجمله، لم يعد منتجًا لنماذج فكرية عالمية مؤثرة كما كان في عصور ازدهاره، بل أصبح في كثير من الأحيان متلقيًا ومستهلكًا لخطابات تنتج في مراكز معرفية خارجية.
ولا يُعزى هذا التحول إلى ضعف المؤسسات وحده، بل إلى انكماش الأفق المعرفي ذاته. فحين يُختزل التراث في سرديات وطنية ضيقة، وحين يُعاد تعريف الفكر ضمن حدود الدولة، تتراجع القدرة على إنتاج خطاب إنساني كوني يتجاوز الإطار المحلي.
“الهوية بين التعدد الثقافي والتوظيف السياسي”
الهوية في بنيتها الثقافية بطبيعتها تراكمية ومركبة؛ إذ يمكن للفرد أن يكون عراقيًا وعربيًا ومسلمًا وحداثيًا في آن واحد، دون أن ينفي أحد هذه الانتماءات الآخر. وقد ازدهرت الحضارات حين كانت الهويات متجاورة لا متصارعة.
أما حين تتحول الهوية إلى أداة سياسية، فإنها تفقد بعدها الثقافي وتغدو وسيلة لإعادة توزيع الرمزية والشرعية. وفي السياق العربي المعاصر، كثيرًا ما يُستدعى التراث لتكريس تمايز وطني أو لتعزيز شرعية سياسية، مما يؤدي إلى تفتيت المجال الحضاري المشترك.
وينتج عن ذلك ثلاث ظواهر رئيسة:
 1. تشظي معرفي يحدّ من التعاون العابر للحدود.
 2. تنافس رمزي على امتلاك التراث بدل رعايته المشتركة.
 3. جمود فكري يُستهلك فيه الجهد في إثبات الملكية بدل إنتاج الجديد.
“استعادة البعد الكوني دون إلغاء المحلي”
ليست الدعوة إلى استعادة البعد الكوني للفكر العربي الإسلامي دعوة إلى إلغاء الدولة الحديثة أو إنكار الانتماءات الوطنية. بل هي دعوة إلى منع اختزال التراث في الإطار السياسي المعاصر.
فالمتنبي يمكن أن يُحتفى به في العراق دون أن يُحصر فيه. وامرؤ القيس يمكن أن يُقرأ في سياقه الجغرافي دون أن يُختزل إلى رمز وطني سعودي او يمني  ضيق. إن استعادة الطابع الكوني للتراث العربي لا تعني الحنين إلى الماضي، بل تعني إعادة تفعيل شروط الإبداع التي جعلت من العربية يومًا لغة للعلم والفلسفة والشعر.
وفي الختام اتصور  إن محضر جلسة 3 أيار 1987 ليس مجرد وثيقة إدارية، بل هو بحق شهادة فكرية على وعي مبكر بأزمة الهوية وتحولاتها في العالم العربي. لقد أدرك المجتمعون آنذاك مخاطر النزعات الإقليمية الضيقة، وساءلوا دور العراق في توجيه التيارات الفكرية العربية.
واليوم، بعد ما يقارب أربعة عقود، يبدو السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمكن استعادة أفق حضاري يتجاوز حدود الدولة دون إنكارها؟ وهل يمكن للفكر العربي أن يعود منتجًا لا مستهلكًا، كونيًا لا منغلقًا؟
إن الجواب لا يكمن في إلغاء الهويات، بل في تحريرها من ضيق السياسة، وإعادتها إلى رحابة الثقافة. فقط حين يُعاد النظر إلى التراث بوصفه ملكًا حضاريًا مشتركًا، يمكن أن تستعيد المنطقة قدرتها على الإسهام الفعلي في الفكر الإنساني العالمي