انا والحياة: الخصم هو الحكم
في تغطيتها للمشاركة العربية في فرانكفورت نشرت جريدة الحياة متابعة للصحفي عبده وازن حملها اتهامات غير مبررة للكاتب الألماني غونتر غراس لقراءته معي في جناح arteفي المعرض وعملا بأصول الصحافة وموضوعيتها قمت بكتابة رد يبين مجريات ما حصل وموقفي منها غير أن جريدة الحياة سلمت الرد الى كاتب المتابعة نفسه ليقوم باختصاره على هواه وهو أمر مستغرب تماما، فقد نشر الرد مبتسرا ومشوها وعليه وجدتني مضطرة إلى نشره مرة أخرى .
لم اتعود الكتابة عن فعالية قمت بتنظيمها ولا عن منجزي الشخصي ولا الرد على من يسيء الي ولكنني هذه المرة وجدتني مضطرة الى ذلك لأسباب عديدة اولها ضخامة الحدث الثقافي وثانيها ان عدم الانصاف والموضوعية قد بدرت من زميل اعتز به هو الشاعر عبده وازن ، وقد كنت اهمل اساءات الآخرين قبلها حتى لاأعمالهم معاملة الادباء والكتاب التي هم ادنى منها بكثير ، ولعلي من كثرت مادست على الوشايات والشتائم والمؤآمرات الصغيرة صرت اقف على جبل منها زادني شموخاً وكبرياءً ، ولكي لا أستبق الامور رأيت ان اروي الحكاية كلها وفقاً لسياقها الذي جرت فيه .
فبعيدا عن بعض الإرباك الذي اتسم به برنامج الثقافة العربية في فرانكفورت ، أقامت مؤسسة ديوان الشرق الغرب التي اشرف عليها في المانيا يومين الاول كان يوم العراق ، والثاني كان يوم اليمن هذا البلد الذي دعم اولى خطوات الحوار الثقافي العربي الألماني عام 2000 من خلال مهرجان شعر للناطقين باللغة الالمانية وشعراء العالم العربي .
حفل يوم العراق بمشاركة كتاب وفنانين عاش اغلبهم الحروب وكذلك مأساة الحصارات المتعددة داخلياً وخارجياً، و حضرت الثقافة العراقية بأهم مكوناتها العربية والكردية عبر المبدعين فؤاد التكرلي ، خليل شوقي ، علي الشلاه ، خسرو الجاف ، عزيز خيون وهذا ماجعل اليوم مميزا بتنوع إبداعات المساهمين فيه وكذلك الحوار الساخن الذي أعقب القراءات. بعد أن قرأ كل من الروائي فؤاد التكرلي والشاعر الكردي خسرو الجاف والشاعر علي الشلاه نصوصهما باللغة العربية واللغة الكرديةقرأت استاذة المسرح بيريت شوك النصوص مترجمة الى اللغة الالمانية ، تقدمت مديرة الجلسة المستشرقة لسلي ترمونتيني لتفتح باب الحوار للمشاركين مع الجمهور حول مستقبل العراق و الصعوبات التي تواجه الثقافة والمثقف العراقي اليوم .
وقد سأل احد الحاضرين قائلا ( ان المحتل لا يأتي ويقول انني جئت لأحتل هذا البلد دائما كانت هناك أعذار ومبررات وهذه الحرب بدأت بالاكاذيب ، فما هو موقف الكتاب من(المقاومة) الآن ) .
وقد عقب الكاتب الكردي خسرو الجاف بقوله ” ان الشعب الكردي اكثر شعب عانى من نظام صدام حسين لقد قدم مايقارب المليون شهيد ، لذلك فان الاكراد ممتنين للشعب الامريكي والادارة الامريكية لأنهم خلصونا من هذا الكابوس ، اما موقفنا من الاحتلال فواضح وكل عراقي هو ضد الاحتلال ولكل احتلال هناك مقاومة ، هذه مرحلة ستنتهي بالتأكيد وما يجري الآن من قتل وخطف وتدمير ليست مقاومة إنها الإرهاب بعينه
اما الشاعر علي الشلاه فنوه الى اختلاف المشروع الامريكي عن المشروع الوطني العراقي الذي هو حر و مستقل بدأ قبل ان يفكر الأمريكيون بإزاحة نظام صدام ودفع العراقيون ثمناً باهضاً له على مذبح الدكتاتورية يوم كانوا يستصرخون ولا من مجيب.
فيما بدى الفنان خليل شوقي متفائلا حد التشاؤم حيث استهل كلامه بمقولة ميكافيلي الغاية تبرر الوسيلة ( ففي العراق ثروات مهمة منها الطبيعية وعلى رأسها النفط و التاريخية و منها الثقافة التي كانت دوما سندا للقوى الوطنية ولهذا لجأ العدو الذي يعادي الثقافة الى الخلاص منها بدءا من ترشيح صدام حسين الذي هو مقدمة للقضاء على الثقافة ، وقد ادى المهمة بكل جدارة فغيب الملايين من الطاقات العلمية والفنية والأدبية أما في محرقة الحروب او السجون او المنافي ، ولكي لا احول كلامي الى تراجيديا ، فإذا زرعنا لابد لنا من حراثة الأرض وزرعها صدام فيما نشاهده على الفضائيات المأجورة ، أنا متفائل الى حد القول أن العالم سيمر بأزمة كبيرة ) ”
فيما انتقل الفنان عزيز خيون الى القدر الذي يساهم في تنفيذ سيناريو محكم يضع العراق بين حجرين الأول يريد إلغاؤه ولكن هيهات والآخر لتمكين أميركا من تنفيذ مشروعها وتمريره في منطقة الشرق الأوسط ” اما التكرلي الذي كان مترددا من إبداء رأيه لأن زملاءه قد تحدثوا في كل شيء فقد طلب من الجميع الانتهاء من الحقائق ، الحقيقة الأولى هي اجرام صدام ، هذه الحقيقة انتهت وهي معروفة لدى الجميع وأصبحت الآن تاريخا ولا فائدة من اجترار هذا الموضوع في كل حوار ، لكني اشعر بالمرارة لأن بوش هو الذي انقذني من صدام وردا على تعقيب الشاعر الكردي خسرو الجاف ، اضاف التكرلي : ارجو ان يكون الاخوة الاكراد على حق بالاعتراف بالجميل للامريكان ، اعتقد ان امريكا لا تؤتمن ابدا وان الشعب العراقي يعرف من هو المجرم ومن هو المحتل )
اما في يوم اليمن فقد حول حضور الكاتب الكبير غونتر غراس (نوبل 99 ) هذا النشاط الى قمة للفعاليات المشتركة بين العرب والالمان وهذا ما أكدته الشخصيات الثقافية والسياسية والاعلامية الالمانية في المعرض حيث طارد الصحفيون غراس بعد ان قدم قراءة شعرية مشتركة معي في جناح قناة الفرنسية الى جناح الديوان ، الذي جرت فيه مراسيم منح غراس وسام ديوان للإبداع الثقافي وتحدث غراس للجمهور الألماني عن الحضارة العربية وعن روحها المتسامحة التي لا تحب العنف خلافاً لماهو مطروح في السوق الإعلامية الغربية خاصة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ، وقال لقد ساهمت الثقافة العربية في إرساء الملامح الاولى لفن الحكاية والقص والف ليلة وليلة خير دليل على مااقول ، ثم جئنا بعد ذلك نحن لنرسم الشكل الحديث لفن الرواية اعني الرواية الاوربية ، في هذا اليوم اريد ان يعرف الجميع ممن يريدون ان يتعرفوا على العالم العربي حقا ، ان يسافروا على سبيل المثال الى اليمن فعلى الرغم من امكانياته المادية المحدودة الا ان اليمنيين الذين هم جزء من العالم العربي غمرونا بالسخاء اللامتناهي للعرب حينما زرنا اليمن مرتين ، لقد استقبلونني في احدى القرى وهي مناخة على ما اذكر بالمئذنة وباسم الله ، انا الذي لااستحق ذلك ، انا الكافر غير المؤمن هذا دليل على الروح العربية التي تدعو الى الحوار والتسامح رغم اننا خضنا الحروب الصليبية المرعبة التي علينا ان لا ننساها ضدهم اعني العرب والمسلمين ، العنف والارهاب موجود في كل مكان حتى هنا وهو ليس خاصية عربية كما يشاع في الاعلام.
واختتم غراس فعاليات ديوان بتأكيده على ضرورة استمرار الحوار حتى وان كانت الصعوبات كبيرة لكنها ليست مستحيلةولابد من الحوار حتى وان طال الصبر .
وقد احدثت زيارة غراس لجناح ديوان وقراؤته معي ردود فعل متباينة كبيرة ففي حين عدها الاعلام الالماني نجاحاً كبيراً للثقافة العربية ، فقد ثار أكبر الأحزاب العربية ( حزب أعداء النجاح ) ضدها وبطريقتهم الفحولية الرثة في فهم الأشياء وللأمانة أقول انني دعوت غراس لزيارة جناح ديوان لكنه هو الذي دعاني للقراءة معه بعد أن قرأ ديواني الصادر حديثاً بالألمانية وأثنى عليه وبعد أن ظهرت عدة مقالات عنه في الصحف الألمانية والسويسرية الرئيسة وسجل مبيعات هي الأعلى بين كتب الشعر الصادرة حديثاً ، ولاأدري لماذا يفقد غراس من رصانته اذا قرأ معي وكأنني قادمة من كوكب آخر ولست ابنة هذه الثقافة العربية التي عملت سنوات طويلة على التعريف بها وابرازها لدى المتلقين الألمان وغيرهم.
ولعل اكثر ما أثار استغرابي ان يكتب الشاعر عبده وازن في جريدة الحياة كلاماً لايمت الى الموضوعية او الى الزمالة الابداعية بصلة وكنت احسب ان قراءة غراس مع اي اديب عربي هي اشادة بالثقافة العربية كلها ولكن يبدو ان بعضنا يتوهم انه هو وحده الثقافة العربية وان قراءة غراس معه فقط تعني اشادة بالثقافة العربية ، اما اذا قرأ غراس مع غيره من المبدعين العرب فتلك اساءة الى الثقافة العربية والى غراس ، فكيف اذا كان هذا الغير امرأة ؟ عندها ستنقلب الامور كلها دون مراعاة لأية قيمة ابداعية او اخلاقية حتى. علماً انني قد اشرت في بداية القراءة الى انها تعد تكريماً للشعر العربي وليس لي شخصياً فقط ، ثم اذا كانت قراءة غراس معي قد اساءت الى رصانته فهل يعني ذلك ان المقالات النقدية التي أشادت بتجربتي الشعرية والتي نشرتها الحياة في الصفحة التي يشرف عليها الزميل وازن قد اساءت الى رصانة الحياة ؟ وهل حصولي على جائزة المنتدى الثقافي اللبناني في فرنسا قد اساءت الى رصانة المنتدى ورصانة الشعراء اللبنانيين ؟
لقد جلب لي تنظيمي للفعاليات الثقافية العربية الألمانية عداوة كثيرين ممن لم يشاركوا فيها وكأنني مسؤولة عن استثنائهم ، والذين حضروا مرة يريدون الحضور كل مرة ، فهل ينبغي دعوة ثلاثين الف مثقف واديب عربي كل مرة ؟ واية فعالية في العالم مهما كان حجمها تستطيع استيعاب هذا العدد ؟
ان ديواني الحجب الذي قرأ منه الكاتب الكبير غراس صادر عن واحدة من اعرق دور النشر الألمانية ( فريدناوبرسه) وهي الدار التي نشرت لأنا اخماتوفا ومايكو فيسكي كما نشرت لعدد من اهم الكتاب في العالم بينهم غراس نفسه ، وهي لاتنشر وفقاً للطريقة العربية ( شيلني واشيلك ) وقد سألت غراس لماذا رفض المشاركة مع العرب فأجاب ان دعوتهم جاءت متأخرة بعد دعوة قناة 90
ثم انهم ارادوا مناقشة موضوعة نقدية تتعلق بالرواية يمكن مناقشتها في اي محفل اخر وانا اردت الحديث عن العالم العربي وثقافته وتسامحه ، واعتقد ان غراس كان محقاً فليس النجاح بأن يتحدث كاتب كبير بحجم غراس الى العرب في جناحهم بل النجاح أن يتحدث ايجابياً عن العرب في اجنحة الآخرين وهو ماحصل مع قناة 90، كما غاب عن بال السادة الذين دعوا غراس انه يتجنب الرسميين وفعالياتهم ، وكان عليهم ان يجدوا منفذاً اخر للتواصل معه .
واخيراً فاني احمد الله ان مشاهدي القنوات الاعلامية العديدة التي نشرت ثناء غراس على الثقافة العربية لن يقرأوا مقالات الكتاب العرب وسيحتفظون بالصورة الايجابية التي رسمها غراس لثقافتنا وتسامحنا الذي اتلفت باحثة عنه منذ سنوات فلا اجده .