ولادة رابطة ( نادي )القلم العراقية الدولية عام 2007

ولادة رابطة القلم العراقية الدولية
بين حلم الثقافة العراقية وخراب المرحلة
في عام 2007، وبينما كانت بغداد تغرق في واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً، كانت فكرة تأسيس فرع عراقي لـ PEN International تبدو للكثيرين حلماً شبه مستحيل. فالعراق آنذاك لم يكن يعيش مجرد أزمة سياسية أو أمنية، بل كان يمرّ بانهيار شامل أصاب الدولة والمجتمع والثقافة والإنسان معاً. كان المثقف العراقي يُختطف ويُغتال ويُهجَّر، وكانت البلاد تتحول تدريجياً إلى مساحة مفتوحة للخوف والخراب والاتهامات المتبادلة.
في تلك اللحظة القاسية، بدأتُ العمل على مشروع تأسيس رابطة القلم العراقية، ليس بوصفها مؤسسة شكلية، بل باعتبارها محاولة لإنقاذ الصوت العراقي من العزلة، وربطه بالعالم الثقافي الدولي، وإعادة الاعتبار إلى الكاتب العراقي بوصفه شاهداً على الكارثة لا مجرد ضحية هامشية فيها.
عملتُ لعام كامل على الإعداد لمؤتمر تأسيسي يجمع الكتّاب العراقيين الذين استطاعوا الوصول إلى دمشق، في وقت كانت فيه بغداد تئنّ تحت وطأة العنف الطائفي، وكانت الطرق بين المدن العراقية نفسها محفوفة بالموت، فكيف بالسفر إلى الخارج؟ ومع ذلك، تمكّن عدد من الأدباء والكتّاب العراقيين من الحضور، وكان ذلك بحد ذاته إنجازاً معنوياً في تلك الظروف.
لقد تكفلتُ شخصياً بمعظم نفقات المؤتمر والتنظيم والتوثيق والإقامة والتفاصيل اللوجستية الأخرى، إيماناً مني بأن العراق يحتاج إلى مؤسسة ثقافية مستقلة تعبّر عنه في المحافل الدولية. لكن كثيرين ممن حضروا المؤتمر كانوا يظنون أن كل هذا الجهد ليس سوى تمهيد لترشيحي لرئاسة الرابطة.
أسفر مؤتمر دمشق عن انتخاب الشاعر علي الشلاه رئيساً للرابطة، وحميد المختار أميناً عاماً، والشاعر حميد قاسم سكرتيراً عاماً. أما أنا فقد رفضت ترشيح نفسي لأي منصب قيادي، وهو موقف أثار دهشة عدد من الحاضرين.
أتذكر جيداً ما قاله الشاعر ماجد الشرع، حين أخبرني بأنه جاء من النجف وفي ذهنه فكرة انتخابي للرئاسة، لأنه كان مقتنعاً بأن من يتحمّل كل تلك الأعباء والنفقات لا بد أن يكون يسعى إلى موقع قيادي. أما الناقد والأكاديمي محمد صابر عبيد فقد قال بعد انتهاء الانتخابات ورفضي الترشح: “والله اليوم أمل لقّنتنا درساً في النزاهة”، مشيراً إلى أنني كنت خلف كل تلك الجهود من دون أن أفكر في منصب أو مغنم شخصي.
لكن المشهد الثقافي العراقي، مثل المشهد السياسي، لم يكن خالياً من الصراعات والتشكيك والتشهير. فبعض الذين لم تتم دعوتهم إلى المؤتمر شنّوا هجمات شخصية عليّ، لم تقتصر على نقد عملي الثقافي، بل طالت شرفي وحياتي الأسرية، وبأساليب وصفها حتى بعض الأجانب بأنها لا تليق بمن يدّعي الدفاع عن الحرية والثقافة.
أتذكر أن السكرتير العام لرابطة القلم الدولية، وكان يُدعى أويجيني ومن النرويج، قال لي إنه كان يرمي الرسائل التي تصله ضدي في سلة المهملات، وإنه طلب ممن كان يرسل تلك الاتهامات أن يتوقف عن الكتابة إلى الرابطة.
كما بدأت تُثار الشكوك حول منظمة PEN International نفسها، عبر ربطها بإسرائيل، بحجة وجود فرع إسرائيلي ضمن المنظمة العالمية. والمفارقة أن أحد أبرز من أثاروا هذه الاتهامات كان من أوائل الذين رفعوا أيديهم طلباً لرئاسة الرابطة حين فتح باب الترشيح، وكان حينها رئيساً لاتحاد الكتّاب العراقيين.
أتذكر أيضاً كيف حاولت الدفع بالشاعر علي الشلاه إلى الواجهة، عبر إشارات فهمها جيداً الشاعر والإنسان الكبير يحيى السماوي، الذي رفع يد علي الشلاه قائلاً: “نرشح الشلاه”، وبالفعل فاز برئاسة الرابطة بعد تصويت ديمقراطي.
غير أن أحد النقاد الذين لم يفوزوا بأي منصب عاد إلى العراق وأجرى حواراً مع الإعلامي حسين يونس، تحدث فيه بطريقة أوحت وكأنني كنت أميز بين “المقاومة الشريفة وغير الشريفة”، في إيحاء خطير ضد شخصي، خصوصاً أن الحديث عن “المقاومة” آنذاك كان يُربط مباشرة بالإرهاب أو التمرد ضد الاحتلال الأميركي.
والحقيقة أنني كنت أتحدث في المؤتمر عن دور الأديب العراقي في مقاومة الاحتلال بالكلمة والثقافة، لا بالسلاح، لكن المناخ المشحون آنذاك كان يسمح بتحريف أي موقف وتحويله إلى تهمة سياسية أو أمنية.
لقد اضطررت لاحقاً إلى نشر مقال بعنوان قريب من عبارة: “إذا كانت الذاكرة قد نسيت فالتسجيلات موجودة”، رداً على تلك الأكاذيب التي أطلقها ناقد كنت أعتبره صديقاً وأستاذاً في النقد.
وحين التقيته لاحقاً في مهرجان المربد عام 2007، حاول مصافحتي بحرارة، لكنني رفضت مصافحته وقلت له أمام الحاضرين: كيف يمكن لمن يحرّض ضدي بمعلومات غير صحيحة أن يأتي ليصافحني بهذه الحميمية؟ ووصفت ذلك بأنه نوع من الانفصام الأخلاقي الذي لا أقبله.
أقسم الرجل حينها أمام الحضور أن ما نُشر في صحيفة الصباح قد جرى فبركته من قبل الإعلامي حسين يونس، فطلبت منه، إن كان صادقاً، أن ينشر تكذيباً علنياً لكل ما ورد في الحوار، خصوصاً ما يتعلق بي وبأحداث لم تقع أصلاً خلال جلسات المؤتمر التأسيسي لرابطة القلم العراقية. وعدني بذلك، لكنه لم يفعل.
بعد ذلك، سافر الوفد العراقي إلى Senegal للمشاركة في المؤتمر العام لـ PEN International، وضم الوفد كلاً من علي الشلاه وحميد المختار وأنا، بينما لم يتمكن ماجد الشرع من اللحاق بنا بسبب تعقيدات التأشيرة.
كانت السنغال أول بلد أفريقي أراه عن قرب، لا عبر الصور أو الكتب. هناك اكتشفت تفاصيل الحياة اليومية البسيطة: النساء اللواتي يغسلن الملابس جماعياً في الأزقة، والحبال الممتدة بين البيوت لتجفيف الثياب، والمشهد الإنساني الذي بدا لي وكأنه خارج الزمن الحديث، لكنه في الوقت نفسه مفعم بالحياة والدفء.
رافقنا سائق سنغالي اسمه مختار، وكان سعيداً للغاية حين عرف أننا من العراق. أخذ يتلو القرآن بصوت جميل، ثم بدأ يتحدث بإنكليزيته الممزوجة بالفرنسية عن رغبته في الذهاب إلى العراق “لقتل الأميركيين” عبر عملية انتحارية.
قاطعه حميد المختار سائلاً: “وماذا عن العراقيين؟ هل ستقتل العراقيين أيضاً؟”
فأجاب الرجل مستنكراً: “بالطبع لا، سأقتل الأميركيين فقط”.
ثم استمر الحوار بينه وبين حميد المختار حول وجود الشيعة في السنغال، فيما كنت منشغلة بالتأمل في ذلك التناقض العجيب: كيف تحوّل العراق في مخيلة كثيرين إلى رمز للحرب والمقاومة والموت.
كان السائق يشير أيضاً إلى الثكنات العسكرية الفرنسية، فسألناه: “أليس هذا احتلالاً أيضاً؟”
فأجاب: “لا شيء يشبه الأميركيين”.
وفي شوارع داكار، كان الفقر واضحاً، لكن الناس كانوا يتعاملون بطيبة مدهشة. الشحاذون بثيابهم الزاهية كانوا ينادونك “يا أخي” إذا عرفوا أنك مسلم، أو “يا صديقي” إذا كنت من ديانة أخرى. أما الفن التشكيلي السنغالي فقد كان عالماً آخر من الألوان الصارخة والحياة.
كنت أطلب من السائق التوقف مراراً لكي أتأمل اللوحات الفنية المعروضة في الشوارع، واشتريت عدداً كبيراً منها بعد مفاوضات طويلة، بينما كان زوجي عادل يضحك من جهلي بأسعار البيع والشراء، وقد ساعدنا السائق في الحصول على أكثر من تسع لوحات بمبلغ لم يتجاوز مئة دولار.
في جلسات المؤتمر، تحدث الجميع عن أهمية الأدب والشعر في صناعة السلام العالمي، وجرى الحديث عن مآسي شعوب كثيرة: إريتريا، الصين، كوريا، وغيرها. لكن العراق لم يُذكر تقريباً، وكأنه محذوف من خريطة الألم الإنساني.
حينها لم أتمالك نفسي، وأخذت الميكروفون من مدير الجلسة وقلت إنني مستغربة من تجاهل العراق، رغم أنه يُصنَّف أخطر مكان للحياة والعمل في العالم، وإن ما يجري فيه تجاوز حدود الحرب العادية إلى ما يشبه الإبادة الجماعية.
واستخدمت حينها تعبير “هولوكوست آخر”، من دون أن أكون واعية تماماً لحساسية هذا المصطلح خارج السياق اليهودي.
تحدثت عن قتل الكتّاب والإعلاميين العراقيين، وعن الخطف والتعذيب، وعن المشاهد التي رأيتها بنفسي في البصرة، مؤكدة أن المثقف العراقي يدفع ثمناً مضاعفاً للحرب.
بعد الجلسة، قال ممثل القلم الأميركي إنه سعيد أخيراً بسماع صوت عراقي داخل الرابطة، بينما بدا الحرج واضحاً على السكرتيرة العامة جوين، لأن كلامي تضمّن انتقاداً مباشراً للسياسة الأميركية في العراق.
لكن رئيس رابطة القلم في الدنمارك دافع عن حقي في توزيع الورقة التي أعددتها حول أوضاع الكتّاب العراقيين، وقال إن معرفة الحقيقة لا يجب أن تكون مرتبطة بقبول العراق الرسمي أو عدمه.
ورغم محاولة اختصار كلمتي إلى دقيقتين فقط، فإن أثرها كان كبيراً، حتى إن أغلب الوفود وقفت وصفقت للعراق وللكتّاب العراقيين طويلاً.
وعندما خرجت من القاعة، اقترب مني أحد أعضاء الوفد الأميركي وقال وعيناه تدمعان: “لقد كنتِ صوت المبدعين في العراق، وأوصلتِ لنا ما فعلته بلادنا ببلادك”.
ثم جاءت لحظة التصويت.
دخلنا القاعة ـ أنا وحميد المختار وعلي الشلاه ـ وتم إعلان قبول العراق بالإجماع عضواً في PEN International.
بكيت يومها من الفرح.
شعرت أن العراق، رغم الخراب والموت، ما يزال قادراً على أن يكون حاضراً في العالم عبر ثقافته وكلمته.
وفي أثناء النقاش، اعترضت ممثلة رابطة كتّاب كردستان لأن كلمتنا لم تذكر الكتّاب الكرد بشكل منفصل، فرد عليها علي الشلاه قائلاً إن عبارة “كتّاب العراق” تشمل الجميع بكل أعراقهم وانتماءاتهم، وإن للكرد أيضاً فرعهم الخاص المعترف به داخل المنظمة العالمية.
لكن، وكما حدث منذ البداية، لم يمرّ هذا الإنجاز من دون حملات تشويه جديدة، خصوصاً ضدي شخصياً. ففي بغداد، وخلال ندوة نظمها “ديوان الشرق ـ الغرب” الذي أسسته بعد 2003، تحدث الأديب زعيم الطائي بصراحة عن التحذيرات التي وصلته من حضور الندوة، بعد أن جرى تخويفه بأن الرابطة “منظمة مشبوهة” أو مرتبطة بإسرائيل.
أما في الخارج، فقد شنّ بعض المحسوبين على الوسط الثقافي العراقي حملة قاسية ضدي، مستخدمين اتهامات تمثل ـ بحق ـ قاع الانحدار الأخلاقي.
استمرت رابطة القلم العراقية في نشاطها سنوات لاحقة، وكانت طموحاتي أكبر بكثير من الواقع. كثيرون استفادوا من اللجان والنشاطات الدولية التي أنشأناها، ومنهم الروائي علي بدر، الذي قال لي مرة في لندن إنه كان المستفيد الأكبر من عضويته في لجنة الكتّاب المسجونين، حيث تمت دعوته إلى أوروبا وأميركا وتُرجمت أعماله بفضل الرابطة.
لكن الرابطة نفسها دخلت لاحقاً في حالة من الغموض والانقسام، خصوصاً بعد توقف الانتخابات التي كان يفترض بالرئيس علي الشلاه الدعوة إليها، لتظهر لاحقاً رابطة بديلة بصورة مفاجئة.
واليوم، وبعد كل تلك السنوات، أقول بصراحة إنني أشعر بشيء من الندم؛ ليس على الحلم ذاته، بل لأنني استنزفت وقتي وجهدي ومالي في مشاريع جماعية، بينما كان بإمكاني أن أكرّس كل تلك الطاقة لمشروعي الإبداعي الخاص، كما فعل ويفعل كثير من الشعراء والكتّاب.
ومع ذلك، يبقى تأسيس رابطة القلم العراقية جزءاً من تاريخ الثقافة العراقية الحديثة، بكل ما فيه من أحلام وصراعات وخيبات وأثمان شخصية دفعتها أجيال من المثقفين العراقيين وهم يحاولون الدفاع عن معنى الكلمة في زمن الخراب.

نادي القلم العراقي

دفاعًا عن الكلمة في زمن الصمت

دفاع عن الكلمة في أوقات الصمت

ولادة رابطة القلم العراقية الدولية عام 2007

ولادة رابطة القلم العراقية الدولية
بين حلم الثقافة العراقية وخراب المرحلة
في عام 2007، وبينما كانت بغداد تغرق في واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً، كانت فكرة تأسيس فرع عراقي لـ PEN International تبدو للكثيرين حلماً شبه مستحيل. فالعراق آنذاك لم يكن يعيش مجرد أزمة سياسية أو أمنية، بل كان يمرّ بانهيار شامل أصاب الدولة والمجتمع والثقافة والإنسان معاً. كان المثقف العراقي يُختطف ويُغتال ويُهجَّر، وكانت البلاد تتحول تدريجياً إلى مساحة مفتوحة للخوف والخراب والاتهامات المتبادلة.
في تلك اللحظة القاسية، بدأتُ العمل على مشروع تأسيس رابطة القلم العراقية، ليس بوصفها مؤسسة شكلية، بل باعتبارها محاولة لإنقاذ الصوت العراقي من العزلة، وربطه بالعالم الثقافي الدولي، وإعادة الاعتبار إلى الكاتب العراقي بوصفه شاهداً على الكارثة لا مجرد ضحية هامشية فيها.
عملتُ لعام كامل على الإعداد لمؤتمر تأسيسي يجمع الكتّاب العراقيين الذين استطاعوا الوصول إلى دمشق، في وقت كانت فيه بغداد تئنّ تحت وطأة العنف الطائفي، وكانت الطرق بين المدن العراقية نفسها محفوفة بالموت، فكيف بالسفر إلى الخارج؟ ومع ذلك، تمكّن عدد من الأدباء والكتّاب العراقيين من الحضور، وكان ذلك بحد ذاته إنجازاً معنوياً في تلك الظروف.
لقد تكفلتُ شخصياً بمعظم نفقات المؤتمر والتنظيم والتوثيق والإقامة والتفاصيل اللوجستية الأخرى، إيماناً مني بأن العراق يحتاج إلى مؤسسة ثقافية مستقلة تعبّر عنه في المحافل الدولية. لكن كثيرين ممن حضروا المؤتمر كانوا يظنون أن كل هذا الجهد ليس سوى تمهيد لترشيحي لرئاسة الرابطة.
أسفر مؤتمر دمشق عن انتخاب الشاعر علي الشلاه رئيساً للرابطة، وحميد المختار أميناً عاماً، والشاعر حميد قاسم سكرتيراً عاماً. أما أنا فقد رفضت ترشيح نفسي لأي منصب قيادي، وهو موقف أثار دهشة عدد من الحاضرين.
أتذكر جيداً ما قاله الشاعر ماجد الشرع، حين أخبرني بأنه جاء من النجف وفي ذهنه فكرة انتخابي للرئاسة، لأنه كان مقتنعاً بأن من يتحمّل كل تلك الأعباء والنفقات لا بد أن يكون يسعى إلى موقع قيادي. أما الناقد والأكاديمي محمد صابر عبيد فقد قال بعد انتهاء الانتخابات ورفضي الترشح: “والله اليوم أمل لقّنتنا درساً في النزاهة”، مشيراً إلى أنني كنت خلف كل تلك الجهود من دون أن أفكر في منصب أو مغنم شخصي.
لكن المشهد الثقافي العراقي، مثل المشهد السياسي، لم يكن خالياً من الصراعات والتشكيك والتشهير. فبعض الذين لم تتم دعوتهم إلى المؤتمر شنّوا هجمات شخصية عليّ، لم تقتصر على نقد عملي الثقافي، بل طالت شرفي وحياتي الأسرية، وبأساليب وصفها حتى بعض الأجانب بأنها لا تليق بمن يدّعي الدفاع عن الحرية والثقافة.
أتذكر أن السكرتير العام لرابطة القلم الدولية، وكان يُدعى أويجيني ومن النرويج، قال لي إنه كان يرمي الرسائل التي تصله ضدي في سلة المهملات، وإنه طلب ممن كان يرسل تلك الاتهامات أن يتوقف عن الكتابة إلى الرابطة.
كما بدأت تُثار الشكوك حول منظمة PEN International نفسها، عبر ربطها بإسرائيل، بحجة وجود فرع إسرائيلي ضمن المنظمة العالمية. والمفارقة أن أحد أبرز من أثاروا هذه الاتهامات كان من أوائل الذين رفعوا أيديهم طلباً لرئاسة الرابطة حين فتح باب الترشيح، وكان حينها رئيساً لاتحاد الكتّاب العراقيين.
أتذكر أيضاً كيف حاولت الدفع بالشاعر علي الشلاه إلى الواجهة، عبر إشارات فهمها جيداً الشاعر والإنسان الكبير يحيى السماوي، الذي رفع يد علي الشلاه قائلاً: “نرشح الشلاه”، وبالفعل فاز برئاسة الرابطة بعد تصويت ديمقراطي.
غير أن أحد النقاد الذين لم يفوزوا بأي منصب عاد إلى العراق وأجرى حواراً مع الإعلامي حسين يونس، تحدث فيه بطريقة أوحت وكأنني كنت أميز بين “المقاومة الشريفة وغير الشريفة”، في إيحاء خطير ضد شخصي، خصوصاً أن الحديث عن “المقاومة” آنذاك كان يُربط مباشرة بالإرهاب أو التمرد ضد الاحتلال الأميركي.
والحقيقة أنني كنت أتحدث في المؤتمر عن دور الأديب العراقي في مقاومة الاحتلال بالكلمة والثقافة، لا بالسلاح، لكن المناخ المشحون آنذاك كان يسمح بتحريف أي موقف وتحويله إلى تهمة سياسية أو أمنية.
لقد اضطررت لاحقاً إلى نشر مقال بعنوان قريب من عبارة: “إذا كانت الذاكرة قد نسيت فالتسجيلات موجودة”، رداً على تلك الأكاذيب التي أطلقها ناقد كنت أعتبره صديقاً وأستاذاً في النقد.
وحين التقيته لاحقاً في مهرجان المربد عام 2007، حاول مصافحتي بحرارة، لكنني رفضت مصافحته وقلت له أمام الحاضرين: كيف يمكن لمن يحرّض ضدي بمعلومات غير صحيحة أن يأتي ليصافحني بهذه الحميمية؟ ووصفت ذلك بأنه نوع من الانفصام الأخلاقي الذي لا أقبله.
أقسم الرجل حينها أمام الحضور أن ما نُشر في صحيفة الصباح قد جرى فبركته من قبل الإعلامي حسين يونس، فطلبت منه، إن كان صادقاً، أن ينشر تكذيباً علنياً لكل ما ورد في الحوار، خصوصاً ما يتعلق بي وبأحداث لم تقع أصلاً خلال جلسات المؤتمر التأسيسي لرابطة القلم العراقية. وعدني بذلك، لكنه لم يفعل.
بعد ذلك، سافر الوفد العراقي إلى Senegal للمشاركة في المؤتمر العام لـ PEN International، وضم الوفد كلاً من علي الشلاه وحميد المختار وأنا، بينما لم يتمكن ماجد الشرع من اللحاق بنا بسبب تعقيدات التأشيرة.
كانت السنغال أول بلد أفريقي أراه عن قرب، لا عبر الصور أو الكتب. هناك اكتشفت تفاصيل الحياة اليومية البسيطة: النساء اللواتي يغسلن الملابس جماعياً في الأزقة، والحبال الممتدة بين البيوت لتجفيف الثياب، والمشهد الإنساني الذي بدا لي وكأنه خارج الزمن الحديث، لكنه في الوقت نفسه مفعم بالحياة والدفء.
رافقنا سائق سنغالي اسمه مختار، وكان سعيداً للغاية حين عرف أننا من العراق. أخذ يتلو القرآن بصوت جميل، ثم بدأ يتحدث بإنكليزيته الممزوجة بالفرنسية عن رغبته في الذهاب إلى العراق “لقتل الأميركيين” عبر عملية انتحارية.
قاطعه حميد المختار سائلاً: “وماذا عن العراقيين؟ هل ستقتل العراقيين أيضاً؟”
فأجاب الرجل مستنكراً: “بالطبع لا، سأقتل الأميركيين فقط”.
ثم استمر الحوار بينه وبين حميد المختار حول وجود الشيعة في السنغال، فيما كنت منشغلة بالتأمل في ذلك التناقض العجيب: كيف تحوّل العراق في مخيلة كثيرين إلى رمز للحرب والمقاومة والموت.
كان السائق يشير أيضاً إلى الثكنات العسكرية الفرنسية، فسألناه: “أليس هذا احتلالاً أيضاً؟”
فأجاب: “لا شيء يشبه الأميركيين”.
وفي شوارع داكار، كان الفقر واضحاً، لكن الناس كانوا يتعاملون بطيبة مدهشة. الشحاذون بثيابهم الزاهية كانوا ينادونك “يا أخي” إذا عرفوا أنك مسلم، أو “يا صديقي” إذا كنت من ديانة أخرى. أما الفن التشكيلي السنغالي فقد كان عالماً آخر من الألوان الصارخة والحياة.
كنت أطلب من السائق التوقف مراراً لكي أتأمل اللوحات الفنية المعروضة في الشوارع، واشتريت عدداً كبيراً منها بعد مفاوضات طويلة، بينما كان زوجي عادل يضحك من جهلي بأسعار البيع والشراء، وقد ساعدنا السائق في الحصول على أكثر من تسع لوحات بمبلغ لم يتجاوز مئة دولار.
في جلسات المؤتمر، تحدث الجميع عن أهمية الأدب والشعر في صناعة السلام العالمي، وجرى الحديث عن مآسي شعوب كثيرة: إريتريا، الصين، كوريا، وغيرها. لكن العراق لم يُذكر تقريباً، وكأنه محذوف من خريطة الألم الإنساني.
حينها لم أتمالك نفسي، وأخذت الميكروفون من مدير الجلسة وقلت إنني مستغربة من تجاهل العراق، رغم أنه يُصنَّف أخطر مكان للحياة والعمل في العالم، وإن ما يجري فيه تجاوز حدود الحرب العادية إلى ما يشبه الإبادة الجماعية.
واستخدمت حينها تعبير “هولوكوست آخر”، من دون أن أكون واعية تماماً لحساسية هذا المصطلح خارج السياق اليهودي.
تحدثت عن قتل الكتّاب والإعلاميين العراقيين، وعن الخطف والتعذيب، وعن المشاهد التي رأيتها بنفسي في البصرة، مؤكدة أن المثقف العراقي يدفع ثمناً مضاعفاً للحرب.
بعد الجلسة، قال ممثل القلم الأميركي إنه سعيد أخيراً بسماع صوت عراقي داخل الرابطة، بينما بدا الحرج واضحاً على السكرتيرة العامة جوين، لأن كلامي تضمّن انتقاداً مباشراً للسياسة الأميركية في العراق.
لكن رئيس رابطة القلم في الدنمارك دافع عن حقي في توزيع الورقة التي أعددتها حول أوضاع الكتّاب العراقيين، وقال إن معرفة الحقيقة لا يجب أن تكون مرتبطة بقبول العراق الرسمي أو عدمه.
ورغم محاولة اختصار كلمتي إلى دقيقتين فقط، فإن أثرها كان كبيراً، حتى إن أغلب الوفود وقفت وصفقت للعراق وللكتّاب العراقيين طويلاً.
وعندما خرجت من القاعة، اقترب مني أحد أعضاء الوفد الأميركي وقال وعيناه تدمعان: “لقد كنتِ صوت المبدعين في العراق، وأوصلتِ لنا ما فعلته بلادنا ببلادك”.
ثم جاءت لحظة التصويت.
دخلنا القاعة ـ أنا وحميد المختار وعلي الشلاه ـ وتم إعلان قبول العراق بالإجماع عضواً في PEN International.
بكيت يومها من الفرح.
شعرت أن العراق، رغم الخراب والموت، ما يزال قادراً على أن يكون حاضراً في العالم عبر ثقافته وكلمته.
وفي أثناء النقاش، اعترضت ممثلة رابطة كتّاب كردستان لأن كلمتنا لم تذكر الكتّاب الكرد بشكل منفصل، فرد عليها علي الشلاه قائلاً إن عبارة “كتّاب العراق” تشمل الجميع بكل أعراقهم وانتماءاتهم، وإن للكرد أيضاً فرعهم الخاص المعترف به داخل المنظمة العالمية.
لكن، وكما حدث منذ البداية، لم يمرّ هذا الإنجاز من دون حملات تشويه جديدة، خصوصاً ضدي شخصياً. ففي بغداد، وخلال ندوة نظمها “ديوان الشرق ـ الغرب” الذي أسسته بعد 2003، تحدث الأديب زعيم الطائي بصراحة عن التحذيرات التي وصلته من حضور الندوة، بعد أن جرى تخويفه بأن الرابطة “منظمة مشبوهة” أو مرتبطة بإسرائيل.
أما في الخارج، فقد شنّ بعض المحسوبين على الوسط الثقافي العراقي حملة قاسية ضدي، مستخدمين اتهامات تمثل ـ بحق ـ قاع الانحدار الأخلاقي.
استمرت رابطة القلم العراقية في نشاطها سنوات لاحقة، وكانت طموحاتي أكبر بكثير من الواقع. كثيرون استفادوا من اللجان والنشاطات الدولية التي أنشأناها، ومنهم الروائي علي بدر، الذي قال لي مرة في لندن إنه كان المستفيد الأكبر من عضويته في لجنة الكتّاب المسجونين، حيث تمت دعوته إلى أوروبا وأميركا وتُرجمت أعماله بفضل الرابطة.
لكن الرابطة نفسها دخلت لاحقاً في حالة من الغموض والانقسام، خصوصاً بعد توقف الانتخابات التي كان يفترض بالرئيس علي الشلاه الدعوة إليها، لتظهر لاحقاً رابطة بديلة بصورة مفاجئة.
واليوم، وبعد كل تلك السنوات، أقول بصراحة إنني أشعر بشيء من الندم؛ ليس على الحلم ذاته، بل لأنني استنزفت وقتي وجهدي ومالي في مشاريع جماعية، بينما كان بإمكاني أن أكرّس كل تلك الطاقة لمشروعي الإبداعي الخاص، كما فعل ويفعل كثير من الشعراء والكتّاب.
ومع ذلك، يبقى تأسيس رابطة القلم العراقية جزءاً من تاريخ الثقافة العراقية الحديثة، بكل ما فيه من أحلام وصراعات وخيبات وأثمان شخصية دفعتها أجيال من المثقفين العراقيين وهم يحاولون الدفاع عن معنى الكلمة في زمن الخراب.
أمل الجبوري

لمحة تاريخية

ولادة رابطة القلم العراقية الدولية
بين حلم الثقافة العراقية وخراب المرحلة
في عام 2007، وبينما كانت بغداد تغرق في واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً، كانت فكرة تأسيس فرع عراقي لـ PEN International تبدو للكثيرين حلماً شبه مستحيل. فالعراق آنذاك لم يكن يعيش مجرد أزمة سياسية أو أمنية، بل كان يمرّ بانهيار شامل أصاب الدولة والمجتمع والثقافة والإنسان معاً. كان المثقف العراقي يُختطف ويُغتال ويُهجَّر، وكانت البلاد تتحول تدريجياً إلى مساحة مفتوحة للخوف والخراب والاتهامات المتبادلة.
في تلك اللحظة القاسية، بدأتُ العمل على مشروع تأسيس رابطة القلم العراقية، ليس بوصفها مؤسسة شكلية، بل باعتبارها محاولة لإنقاذ الصوت العراقي من العزلة، وربطه بالعالم الثقافي الدولي، وإعادة الاعتبار إلى الكاتب العراقي بوصفه شاهداً على الكارثة لا مجرد ضحية هامشية فيها.
عملتُ لعام كامل على الإعداد لمؤتمر تأسيسي يجمع الكتّاب العراقيين الذين استطاعوا الوصول إلى دمشق، في وقت كانت فيه بغداد تئنّ تحت وطأة العنف الطائفي، وكانت الطرق بين المدن العراقية نفسها محفوفة بالموت، فكيف بالسفر إلى الخارج؟ ومع ذلك، تمكّن عدد من الأدباء والكتّاب العراقيين من الحضور، وكان ذلك بحد ذاته إنجازاً معنوياً في تلك الظروف.
لقد تكفلتُ شخصياً بمعظم نفقات المؤتمر والتنظيم والتوثيق والإقامة والتفاصيل اللوجستية الأخرى، إيماناً مني بأن العراق يحتاج إلى مؤسسة ثقافية مستقلة تعبّر عنه في المحافل الدولية. لكن كثيرين ممن حضروا المؤتمر كانوا يظنون أن كل هذا الجهد ليس سوى تمهيد لترشيحي لرئاسة الرابطة.
أسفر مؤتمر دمشق عن انتخاب الشاعر علي الشلاه رئيساً للرابطة، وحميد المختار أميناً عاماً، والشاعر حميد قاسم سكرتيراً عاماً. أما أنا فقد رفضت ترشيح نفسي لأي منصب قيادي، وهو موقف أثار دهشة عدد من الحاضرين.
أتذكر جيداً ما قاله الشاعر ماجد الشرع، حين أخبرني بأنه جاء من النجف وفي ذهنه فكرة انتخابي للرئاسة، لأنه كان مقتنعاً بأن من يتحمّل كل تلك الأعباء والنفقات لا بد أن يكون يسعى إلى موقع قيادي. أما الناقد والأكاديمي محمد صابر عبيد فقد قال بعد انتهاء الانتخابات ورفضي الترشح: “والله اليوم أمل لقّنتنا درساً في النزاهة”، مشيراً إلى أنني كنت خلف كل تلك الجهود من دون أن أفكر في منصب أو مغنم شخصي.
لكن المشهد الثقافي العراقي، مثل المشهد السياسي، لم يكن خالياً من الصراعات والتشكيك والتشهير. فبعض الذين لم تتم دعوتهم إلى المؤتمر شنّوا هجمات شخصية عليّ، لم تقتصر على نقد عملي الثقافي، بل طالت شرفي وحياتي الأسرية، وبأساليب وصفها حتى بعض الأجانب بأنها لا تليق بمن يدّعي الدفاع عن الحرية والثقافة.
أتذكر أن السكرتير العام لرابطة القلم الدولية، وكان يُدعى أويجيني ومن النرويج، قال لي إنه كان يرمي الرسائل التي تصله ضدي في سلة المهملات، وإنه طلب ممن كان يرسل تلك الاتهامات أن يتوقف عن الكتابة إلى الرابطة.
كما بدأت تُثار الشكوك حول منظمة PEN International نفسها، عبر ربطها بإسرائيل، بحجة وجود فرع إسرائيلي ضمن المنظمة العالمية. والمفارقة أن أحد أبرز من أثاروا هذه الاتهامات كان من أوائل الذين رفعوا أيديهم طلباً لرئاسة الرابطة حين فتح باب الترشيح، وكان حينها رئيساً لاتحاد الكتّاب العراقيين.
أتذكر أيضاً كيف حاولت الدفع بالشاعر علي الشلاه إلى الواجهة، عبر إشارات فهمها جيداً الشاعر والإنسان الكبير يحيى السماوي، الذي رفع يد علي الشلاه قائلاً: “نرشح الشلاه”، وبالفعل فاز برئاسة الرابطة بعد تصويت ديمقراطي.
غير أن أحد النقاد الذين لم يفوزوا بأي منصب عاد إلى العراق وأجرى حواراً مع الإعلامي حسين يونس، تحدث فيه بطريقة أوحت وكأنني كنت أميز بين “المقاومة الشريفة وغير الشريفة”، في إيحاء خطير ضد شخصي، خصوصاً أن الحديث عن “المقاومة” آنذاك كان يُربط مباشرة بالإرهاب أو التمرد ضد الاحتلال الأميركي.
والحقيقة أنني كنت أتحدث في المؤتمر عن دور الأديب العراقي في مقاومة الاحتلال بالكلمة والثقافة، لا بالسلاح، لكن المناخ المشحون آنذاك كان يسمح بتحريف أي موقف وتحويله إلى تهمة سياسية أو أمنية.
لقد اضطررت لاحقاً إلى نشر مقال بعنوان قريب من عبارة: “إذا كانت الذاكرة قد نسيت فالتسجيلات موجودة”، رداً على تلك الأكاذيب التي أطلقها ناقد كنت أعتبره صديقاً وأستاذاً في النقد.
وحين التقيته لاحقاً في مهرجان المربد عام 2007، حاول مصافحتي بحرارة، لكنني رفضت مصافحته وقلت له أمام الحاضرين: كيف يمكن لمن يحرّض ضدي بمعلومات غير صحيحة أن يأتي ليصافحني بهذه الحميمية؟ ووصفت ذلك بأنه نوع من الانفصام الأخلاقي الذي لا أقبله.
أقسم الرجل حينها أمام الحضور أن ما نُشر في صحيفة الصباح قد جرى فبركته من قبل الإعلامي حسين يونس، فطلبت منه، إن كان صادقاً، أن ينشر تكذيباً علنياً لكل ما ورد في الحوار، خصوصاً ما يتعلق بي وبأحداث لم تقع أصلاً خلال جلسات المؤتمر التأسيسي لرابطة القلم العراقية. وعدني بذلك، لكنه لم يفعل.
بعد ذلك، سافر الوفد العراقي إلى Senegal للمشاركة في المؤتمر العام لـ PEN International، وضم الوفد كلاً من علي الشلاه وحميد المختار وأنا، بينما لم يتمكن ماجد الشرع من اللحاق بنا بسبب تعقيدات التأشيرة.
كانت السنغال أول بلد أفريقي أراه عن قرب، لا عبر الصور أو الكتب. هناك اكتشفت تفاصيل الحياة اليومية البسيطة: النساء اللواتي يغسلن الملابس جماعياً في الأزقة، والحبال الممتدة بين البيوت لتجفيف الثياب، والمشهد الإنساني الذي بدا لي وكأنه خارج الزمن الحديث، لكنه في الوقت نفسه مفعم بالحياة والدفء.
رافقنا سائق سنغالي اسمه مختار، وكان سعيداً للغاية حين عرف أننا من العراق. أخذ يتلو القرآن بصوت جميل، ثم بدأ يتحدث بإنكليزيته الممزوجة بالفرنسية عن رغبته في الذهاب إلى العراق “لقتل الأميركيين” عبر عملية انتحارية.
قاطعه حميد المختار سائلاً: “وماذا عن العراقيين؟ هل ستقتل العراقيين أيضاً؟”
فأجاب الرجل مستنكراً: “بالطبع لا، سأقتل الأميركيين فقط”.
ثم استمر الحوار بينه وبين حميد المختار حول وجود الشيعة في السنغال، فيما كنت منشغلة بالتأمل في ذلك التناقض العجيب: كيف تحوّل العراق في مخيلة كثيرين إلى رمز للحرب والمقاومة والموت.
كان السائق يشير أيضاً إلى الثكنات العسكرية الفرنسية، فسألناه: “أليس هذا احتلالاً أيضاً؟”
فأجاب: “لا شيء يشبه الأميركيين”.
وفي شوارع داكار، كان الفقر واضحاً، لكن الناس كانوا يتعاملون بطيبة مدهشة. الشحاذون بثيابهم الزاهية كانوا ينادونك “يا أخي” إذا عرفوا أنك مسلم، أو “يا صديقي” إذا كنت من ديانة أخرى. أما الفن التشكيلي السنغالي فقد كان عالماً آخر من الألوان الصارخة والحياة.
كنت أطلب من السائق التوقف مراراً لكي أتأمل اللوحات الفنية المعروضة في الشوارع، واشتريت عدداً كبيراً منها بعد مفاوضات طويلة، بينما كان زوجي عادل يضحك من جهلي بأسعار البيع والشراء، وقد ساعدنا السائق في الحصول على أكثر من تسع لوحات بمبلغ لم يتجاوز مئة دولار.
في جلسات المؤتمر، تحدث الجميع عن أهمية الأدب والشعر في صناعة السلام العالمي، وجرى الحديث عن مآسي شعوب كثيرة: إريتريا، الصين، كوريا، وغيرها. لكن العراق لم يُذكر تقريباً، وكأنه محذوف من خريطة الألم الإنساني.
حينها لم أتمالك نفسي، وأخذت الميكروفون من مدير الجلسة وقلت إنني مستغربة من تجاهل العراق، رغم أنه يُصنَّف أخطر مكان للحياة والعمل في العالم، وإن ما يجري فيه تجاوز حدود الحرب العادية إلى ما يشبه الإبادة الجماعية.
واستخدمت حينها تعبير “هولوكوست آخر”، من دون أن أكون واعية تماماً لحساسية هذا المصطلح خارج السياق اليهودي.
تحدثت عن قتل الكتّاب والإعلاميين العراقيين، وعن الخطف والتعذيب، وعن المشاهد التي رأيتها بنفسي في البصرة، مؤكدة أن المثقف العراقي يدفع ثمناً مضاعفاً للحرب.
بعد الجلسة، قال ممثل القلم الأميركي إنه سعيد أخيراً بسماع صوت عراقي داخل الرابطة، بينما بدا الحرج واضحاً على السكرتيرة العامة جوين، لأن كلامي تضمّن انتقاداً مباشراً للسياسة الأميركية في العراق.
لكن رئيس رابطة القلم في الدنمارك دافع عن حقي في توزيع الورقة التي أعددتها حول أوضاع الكتّاب العراقيين، وقال إن معرفة الحقيقة لا يجب أن تكون مرتبطة بقبول العراق الرسمي أو عدمه.
ورغم محاولة اختصار كلمتي إلى دقيقتين فقط، فإن أثرها كان كبيراً، حتى إن أغلب الوفود وقفت وصفقت للعراق وللكتّاب العراقيين طويلاً.
وعندما خرجت من القاعة، اقترب مني أحد أعضاء الوفد الأميركي وقال وعيناه تدمعان: “لقد كنتِ صوت المبدعين في العراق، وأوصلتِ لنا ما فعلته بلادنا ببلادك”.
ثم جاءت لحظة التصويت.
دخلنا القاعة ـ أنا وحميد المختار وعلي الشلاه ـ وتم إعلان قبول العراق بالإجماع عضواً في PEN International.
بكيت يومها من الفرح.
شعرت أن العراق، رغم الخراب والموت، ما يزال قادراً على أن يكون حاضراً في العالم عبر ثقافته وكلمته.
وفي أثناء النقاش، اعترضت ممثلة رابطة كتّاب كردستان لأن كلمتنا لم تذكر الكتّاب الكرد بشكل منفصل، فرد عليها علي الشلاه قائلاً إن عبارة “كتّاب العراق” تشمل الجميع بكل أعراقهم وانتماءاتهم، وإن للكرد أيضاً فرعهم الخاص المعترف به داخل المنظمة العالمية.
لكن، وكما حدث منذ البداية، لم يمرّ هذا الإنجاز من دون حملات تشويه جديدة، خصوصاً ضدي شخصياً. ففي بغداد، وخلال ندوة نظمها “ديوان الشرق ـ الغرب” الذي أسسته بعد 2003، تحدث الأديب زعيم الطائي بصراحة عن التحذيرات التي وصلته من حضور الندوة، بعد أن جرى تخويفه بأن الرابطة “منظمة مشبوهة” أو مرتبطة بإسرائيل.
أما في الخارج، فقد شنّ بعض المحسوبين على الوسط الثقافي العراقي حملة قاسية ضدي، مستخدمين اتهامات تمثل ـ بحق ـ قاع الانحدار الأخلاقي.
استمرت رابطة القلم العراقية في نشاطها سنوات لاحقة، وكانت طموحاتي أكبر بكثير من الواقع. كثيرون استفادوا من اللجان والنشاطات الدولية التي أنشأناها، ومنهم الروائي علي بدر، الذي قال لي مرة في لندن إنه كان المستفيد الأكبر من عضويته في لجنة الكتّاب المسجونين، حيث تمت دعوته إلى أوروبا وأميركا وتُرجمت أعماله بفضل الرابطة.
لكن الرابطة نفسها دخلت لاحقاً في حالة من الغموض والانقسام، خصوصاً بعد توقف الانتخابات التي كان يفترض بالرئيس علي الشلاه الدعوة إليها، لتظهر لاحقاً رابطة بديلة بصورة مفاجئة.
واليوم، وبعد كل تلك السنوات، أقول بصراحة إنني أشعر بشيء من الندم؛ ليس على الحلم ذاته، بل لأنني استنزفت وقتي وجهدي ومالي في مشاريع جماعية، بينما كان بإمكاني أن أكرّس كل تلك الطاقة لمشروعي الإبداعي الخاص، كما فعل ويفعل كثير من الشعراء والكتّاب.
ومع ذلك، يبقى تأسيس رابطة القلم العراقية جزءاً من تاريخ الثقافة العراقية الحديثة، بكل ما فيه من أحلام وصراعات وخيبات وأثمان شخصية دفعتها أجيال من المثقفين العراقيين وهم يحاولون الدفاع عن معنى الكلمة في زمن الخراب.

1954

تأسيس نادي القلم العراقي

إعلان تأسيس الفرع العراقي ضمن شبكة أندية القلم العالمية بمشاركة نخبة من الأدباء العراقيين.
1960s

ازدهار الندوات الأدبية

تنظيم قراءات شعرية مفتوحة ومناظرات فكرية حول الحداثة والترجمة والهوية الثقافية.
2007

2007

جهود إعادة التنظيم

محاولات لإعادة تفعيل دور النادي وتعزيز التواصل مع الاتحادات الأدبية الدولية.
حين تتعالى أصوات البنادق، لا تصمت الكلمة، بل تتحول إلى شهادة.