فوجئت مؤخراً بدعوتي للمشاركة متحدثةً في ندوة علمية نظمها معهد الازدهار العالمي بالشراكة في جامعة لندن مع إحدى المؤسسات اللبنانية، وشارك فيها نخبة من العلماء والباحثين والباحثات المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط من جامعات ومراكز بحثية مرموقة، من بينها جامعة إكستر، وجامعة لندن، وكلية الملك في لندن، ومؤسسات أكاديمية أخرى.
خصصت الجلسة الأولى لمناقشة المنهجيات البحثية في مناطق النزاع والبيئات غير المستقرة أمنياً وسياسياً واجتماعياً، وهي البيئات التي يعمل فيها الباحث وسط تحديات تتجاوز حدود المعرفة الأكاديمية إلى تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي والإنساني.
في هذا السياق قدمت ورقتي المعنونة:
«العمل الميداني والشكوك» (Fieldwork and Suspicion)
والتي استندت إلى تجربتي البحثية خلال مرحلة الدكتوراه وما بعدها في دراسة يهود العراق والذاكرة والمواطنة والهوية.
حين يتحول البحث إلى موضع شك
أوضحت في مداخلتي أن اختيار موضوع يتعلق بيهود العراق في السياق العربي المعاصر لا يُنظر إليه دائماً بوصفه مشروعاً أكاديمياً خالصاً، بل غالباً ما يُحمَّل دلالات سياسية وإيديولوجية لا علاقة لها بالبحث العلمي.
ففي منطقتنا ما زال الخلط قائماً بين اليهودية كدين، واليهود بوصفهم جماعة تاريخية وثقافية، وبين الصهيونية ودولة إسرائيل. ولهذا يجد الباحث نفسه عرضة لأسئلة وشكوك متكررة:
لماذا يدرس هذا الموضوع؟
ومن سيمول هذا البحث؟
ومن سيقرأ نتائجه؟
وهل يندرج ضمن ما يسمى بالتطبيع؟
وهكذا يتحول المشروع البحثي في نظر البعض من مشروع معرفي إلى مشروع سياسي، ويصبح الباحث مطالباً بالدفاع عن شرعية موضوعه قبل أن يبدأ الدفاع عن نتائجه.
ومن هنا كان بناء الثقة يمثل العمود الفقري لمنهجيتي البحثية، سواء مع ما تبقى من أبناء الطائفة اليهودية في العراق، أو مع أبناء الجاليات العراقية اليهودية في الشتات، أو مع المسؤولين والفاعلين الاجتماعيين الذين ساعدوا في تسهيل الوصول إلى بعض المصادر والشهادات.
كما أشرت خلال الورقة إلى أنني رفضت تمويلاً سخياً عرض لدعم الدراسة، انطلاقاً من قناعتي بأن استقلالية الباحث جزء من نزاهة البحث نفسه. فقد آثرت أن أعمل كباحثة وكاتبة مستقلة، لأنني لا أريد أن يقال إن سنوات من البحث والعمل الميداني أُنجزت بدافع التمويل أو استجابة لأجندة مسبقة.

من «الأقليات» إلى «التنوع»
وخلال النقاش توقفت عند مسألة أعتبرها مهمة على المستوى المفاهيمي.
فقد أوضحت للحضور أنني لا أميل إلى استخدام مصطلح «الأقليات»، رغم شيوعه في الأدبيات السياسية والأكاديمية المعاصرة.
ذلك أن هذا المفهوم وُلد في سياق تاريخي وسياسي غربي مختلف، وغالباً ما يحمل دلالة ضمنية تحيل إلى الهامش أو الضعف أو الحاجة إلى الحماية.
أما في مجتمعاتنا، فأفضل الحديث عن «التنوع» بدلاً من «الأقليات».
فالتنوع يعبر عن حقيقة تاريخية عاشتها المنطقة قروناً طويلة، حيث تعايشت جماعات دينية ومذهبية وعرقية وثقافية متعددة ضمن فضاء حضاري واحد، وأسهمت جميعها في بناء ثقافة المنطقة واقتصادها وفكرها وتراثها.
ومن هذا المنطلق فإن دراسة يهود العراق ليست دراسة «أقلية»، بل دراسة مكون أصيل من مكونات تاريخ العراق الحديث، ونافذة لفهم المجتمع العراقي نفسه وتحولاته العميقة.
هل كان التعايش هو القاعدة؟
أثارت الورقة العديد من الأسئلة والنقاشات.
وكان من أكثرها تأثيراً سؤال طرحه شاب سوري قال:
“حين نتحدث عما تعرض له يهود العراق في الماضي، ألا نشهد اليوم مصائر مشابهة، وربما أكثر قسوة، تواجه جماعات أخرى في المنطقة؟ وكيف يمكن وقف العنف تجاه الآخر؟”
أجبته بسؤال آخر:
قبل اتفاقية سايكس ـ بيكو وقبل ظهور الدولة الوطنية الحديثة بصيغتها الحالية، ألم تكن هذه الجماعات المختلفة دينياً ومذهبياً وعرقياً تعيش وتتعايش ضمن فضاء اجتماعي واحد؟
ألم يكن التعايش هو الأمر الطبيعي في أغلب الفترات التاريخية، رغم وجود صراعات متفرقة كانت غالباً مرتبطة بالسلطة أو الموارد أو التنافس السياسي؟
وألم تؤد الحدود الحديثة التي رسمتها القوى الاستعمارية إلى إعادة تشكيل الهويات ضمن أطر سياسية جديدة حولت التنوع في كثير من الأحيان إلى مصدر للتوتر والصراع؟
بدا السؤال وكأنه دفعه إلى تأمل عميق.
حوار مع شاب درزي من سوريا
بعد انتهاء الجلسة اقترب مني ذلك الشاب وعرّف نفسه بأنه من أبناء الطائفة الدرزية في سوريا.
قال إنه تأثر بما طرحته في الورقة، ثم أخذ يحدثني عن المخاوف التي يعيشها كثير من أبناء مجتمعه اليوم.
قال إن بعض الطلاب الدروز لم يعودوا يشعرون بالأمان الكامل في جامعاتهم، وإنهم يتعرضون أحياناً للتهديد أو للتشكيك في انتمائهم الوطني، أو لاتهامات جاهزة بالخيانة أو بالولاء لإسرائيل.
وأضاف:
“رغم أنني كنت من أوائل المشاركين في الثورة السورية ضد النظام السابق، ورغم أن كثيراً من الشباب الدروز رفضوا منذ البداية أي دعوات للتبعية أو الانفصال، فإننا ما زلنا نتعرض للاتهامات نفسها.”
ثم قال:
“أنا ورفاقي وقفنا ضد كل الدعوات التي طالبت إسرائيل بالتدخل لحمايتنا. لكننا اليوم نشعر بأن وجودنا وهويتنا مهددان. فكيف نواجه هذا الوضع؟”
كان جوابي واضحاً وصريحاً.
قلت له إن العنف ليس حلاً.
وقلت له أيضاً إن الاستقواء بأي طرف خارجي، مهما كانت المبررات، ليس طريقاً لبناء مستقبل آمن.
فالتجارب التاريخية أثبتت أن القوى الخارجية لا تتحرك بدافع حماية الشعوب بقدر ما تتحرك وفق مصالحها الخاصة.
وحذرته من تكرار الوصفة العراقية القائمة على المحاصصة الطائفية والإثنية.
فبعد أكثر من عقدين على تطبيق هذا النموذج لم يربح العراقيون، لا من العرب الشيعة ولا العرب السنة ولا الأكراد.
الذي استفاد فعلياً كان النخب السياسية التي تقاسمت السلطة والثروة والنفوذ، بينما دفع المجتمع بأكمله الثمن.
وقلت له إن الحل يكمن في الحكمة والحوار وتغليب المصلحة الوطنية، لا في تعميق الانقسامات أو البحث عن حماة من الخارج.
كما أحلته إلى بعض الدراسات والوثائق التاريخية التي تناولت مشاريع تقسيم المشرق العربي وإثارة الانقسامات المذهبية والعرقية بهدف إضعاف المجتمعات والدول وتحويل تنوعها إلى أداة للصراع المستمر.
مرونة المنهجية في مناطق النزاع
ومن النقاط التي شددت عليها خلال الندوة ضرورة أن تعيد المؤسسات الأكاديمية الغربية النظر في بعض المعايير الصارمة التي تحكم العمل الميداني في مناطق النزاع.
فالشرق الأوسط ليس مختبراً مستقراً يمكن فيه تطبيق التصميم البحثي نفسه من البداية إلى النهاية دون تعديل.
فقد تندلع حرب أو تقع أزمة سياسية أو تتغير الظروف الأمنية خلال أيام أو أسابيع، مما يفرض على الباحث إعادة النظر في أدواته وأسئلته ومنهجيته.
ولهذا دعوت إلى منح الباحثين مساحة أكبر من المرونة المنهجية تسمح لهم بالتكيف مع الواقع المتغير دون أن يشعروا بأنهم يخالفون قواعد المؤسسة الأكاديمية.
هل تحول البحث إلى صناعة تمويل؟
كما أثرت قضية أخرى أراها من أخطر القضايا التي تواجه المعرفة اليوم.
ففي عالمنا المعاصر أصبح البحث الأكاديمي في كثير من الأحيان مرتبطاً بمنطق التمويل والمنح أكثر من ارتباطه بمنطق الاكتشاف المعرفي.
نحن نعيش في زمن تنتج فيه الجامعات ومراكز الأبحاث مئات الآلاف من الأوراق العلمية والكتب والدراسات سنوياً.
لكن السؤال الحقيقي ليس كم ننتج؟
بل ماذا ننتج؟
وكم من هذه الأعمال يقدم معرفة جديدة فعلاً؟
وكم منها يفتح أفقاً جديداً للفهم؟
وكم منها يضيف اكتشافاً حقيقياً إلى المعرفة الإنسانية؟
إن كثرة الإنتاج لا تعني بالضرورة عمق المعرفة.
خسارة التوقف… ومكاسب التوقف
سألتني المحاورة إن كان توقف الباحث عن عمله الميداني بسبب الحرب أو المخاطر الأمنية يمثل خسارة.
وأجبت بأن الأمر يحمل جانبين متناقضين.
فالجانب السلبي واضح.
إذ قد يؤدي توقف البحث إلى ضياع فرص اكتشاف وثائق جديدة أو شهادات نادرة أو قصص لم تُروَ من قبل.
وقد يؤخر الوصول إلى معرفة يمكن أن تسهم في إعادة كتابة بعض صفحات التاريخ.
واستحضرت في هذا السياق تجربتي في البحث المتعلق بمرقد الشيخ إسحق والمراقد اليهودية والأوقاف التابعة للطائفة اليهودية في العراق، وما واجهته من عقبات وصعوبات في الوصول إلى بعض الوثائق والمواقع ذات الصلة.
لكن هناك جانباً إيجابياً أيضاً.
فالعوائق قد تدفع الباحث إلى البحث عن طرق جديدة للوصول إلى المعرفة، سواء عبر التعاون مع باحثين محليين أو الاستعانة بوسطاء أكاديميين أو مسؤولين قادرين على تسهيل الوصول إلى الوثائق وتقليل البيروقراطية.
وأحياناً تقودنا العقبات إلى اكتشاف طرق لم نكن لنفكر بها في الظروف الطبيعية.
الباحث ليس جامع بيانات
أكدت كذلك أن الباحث لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد جامع بيانات.
فالبيانات وحدها لا تنتج معرفة.
الباحث الحقيقي هو الذي يقرأ ويحلل ويربط بين الوقائع والشهادات والوثائق ليقدم فهماً جديداً أو يكمل قصة ناقصة أو يكشف جانباً مجهولاً من التاريخ.
إن مهمته ليست تكديس المعلومات، بل تحويلها إلى معرفة ذات معنى.
ولهذا فإن الباحث النقدي لا يكتفي بوصف العالم، بل يساعدنا على فهمه بصورة أعمق، ويمنح الأجيال الجديدة أدوات أفضل للتفكير بالمستقبل.
حين تغيب مصادر المعرفة
ومن المداخلات المهمة أيضاً ما طرحه أحد الباحثين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، حين تحدث عن الصعوبات التي يواجهها في تحديث أعماله البحثية بعد أن فقد عدداً من الشخصيات التي كانت تمثل مصادر أساسية لكتبه ودراساته بسبب الحروب والاغتيالات التي شهدتها المنطقة.
وكان سؤاله مؤلماً:
كيف يمكن للباحث أن يحدث قاعدة بياناته المعرفية حين يغيب شهود المرحلة أنفسهم؟
وهو سؤال يلخص هشاشة المعرفة في مناطق النزاع، حيث لا تختفي الوقائع فقط، بل يختفي أيضاً من عاشوها وشهدوا عليها.
قراءة الحروب بوصفها سياقاً واحداً
أما الباحثة الدكتورة فاطمة من جامعة لندن فقد قدمت ورقة مهمة حذرت فيها من النظر إلى الحرب الراهنة على إيران بوصفها حدثاً منفصلاً عن السياق التاريخي الأوسع للحروب التي شهدتها المنطقة.
فقد أكدت أن فهم ما يجري اليوم يقتضي النظر إليه في إطار متصل يبدأ من الحرب في أفغانستان، ويمر بغزو العراق عام 2003، وصولاً إلى التحولات والصراعات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
كما أشارت إلى أهمية فهم العلاقة بين الحروب وإنتاج المعرفة، وإلى الخسائر الثقافية والمعرفية التي ترتبت على تدمير التراث والنهب الذي طال المؤسسات الثقافية العراقية بعد الغزو الأمريكي.
ولفتني أنها استشهدت خلال مداخلتها بما طرحته في ورقتي حول تجربة توثيق التراث العراقي وما تعرض له من نهب وتدمير، بوصفه مثالاً على العلاقة الوثيقة بين الحرب وضياع الذاكرة الثقافية.
المعرفة والثقة والمستقبل
وفي الجلسة الختامية قدمت البروفيسورة ديم هنرييتا مور، عالمة الأنثروبولوجيا البريطانية المعروفة، مداخلة لافتة أكدت فيها أن التأمل والتفكير النقدي يشكلان روح التنظير العلمي، وأن قيمة النظريات لا تكمن في تكرارها، بل في قدرتها على تفسير الواقع وإنتاج أسئلة جديدة.
كما دعت إلى استمرار التشبيك بين الباحثين وعدم السماح للتجارب والخبرات التي طُرحت خلال الندوة بأن تنتهي بانتهاء المؤتمر.
وأكدت أهمية بناء شبكات ثقة وتعاون معرفي تساعد على إنتاج معرفة أكثر عمقاً وأكثر ارتباطاً بالواقع، وتسهم في بناء مستقبل أقل عنفاً وأكثر ازدهاراً.
وكان من دواعي سروري أنها عرضت عليّ إقامة محاضرة أكاديمية مستقلة في الجامعة خلال الفترة المقبلة لمواصلة النقاش حول القضايا التي أثارتها الورقة.
الحقيقة والشغف
خرجت من تلك الندوة أكثر اقتناعاً بأن أخطر ما يهدد منطقتنا ليس التنوع، بل الخوف من التنوع.
وليس الاختلاف، بل تحويل الاختلاف إلى مشروع سياسي للصراع.
فالتاريخ الذي قادني إلى دراسة يهود العراق لم يكن تاريخ جماعة بعينها فحسب، بل كان تاريخ العراق نفسه، وتاريخ المشرق بأسره.
وكلما تعمقت في هذا التاريخ ازددت يقيناً بأن مستقبل المنطقة لن يُبنى بالقوة، ولا بالاستقواء بالخارج، ولا بالمحاصصة، بل بإعادة اكتشاف القيم التي سمحت لشعوبها المختلفة أن تعيش معاً قروناً طويلة قبل أن تتحول الهويات إلى خنادق متقابلة.
أما مهمة الباحث، فهي أن يواصل البحث عن الحقيقة، مهما كانت معقدة أو مؤلمة، وأن يتحلى بالشغف والالتزام الأخلاقي تجاهها.
فالحقيقة ليست سهلة، وتقبلها أصعب بكثير من تصديق الروايات الجاهزة والمريحة.
ولعل أهم ما تعلمته من سنوات البحث الطويلة أن الحقيقة أكبر من أن يمتلكها فرد واحد أو جماعة واحدة أو أيديولوجيا واحدة.
ولهذا يبقى البحث العلمي، في جوهره، رحلة مفتوحة نحو الفهم،